الجرح المقدس
06-16-2010, 12:25 AM
http://www.arab7.com/up/file/1217925180122.jpg
العلبـةُ الحمـراء
مُنذُ طفولتنا حين نُسّرحُ شُعورنا بشكل جانبيّ ، نُطوقُ برطة العنق رقابنا الصغيرة ، نُطوقُ معاصمنا النحيلة بساعات كاسيو يابانية ، وأعيننا تنطلقُ عصفورية نحو الواقع ، على روائح عطور ليست من ذائقتنا لكنها ماركات الآباء المفضلة على المناضد وفي خزانات الملابس ، غير أننا بدوافع التقليد ننفثُ رذاذ هذه العطور على ملابسنا الجديدة بُغية أن يشتمها الأصدقاء منا ، ولو كان مثلي مُصاباً وبالفطرة من حالة تحسسهِ من العطور ، إذ يتحول يوم فرحته بالعيد إلى – معارك أهلية – لا ينتصرُ فيها أحد !..
في الطفولة سيكون لنا أصدقاء يركضون معنا .. كمثل " وليد " الذي كان يسبقني في الركض بخفةٍ نمر صغير ، أو " منال " التي كنتُ أتعاركُ معها على السطح حول الأرجوحة ، من يتأرجحُ أولاً ؟.. غير مُدرك كثيراً لما يحدثُ من دفع لكفيّ الصغيرين ، لنهدين مازالا على صدرها يبدوان من تحت ثوب أبيض كحبتيّ خوخ في الصيف يحدثُ بهما عوامل إنضاج قهري خلاله يأخذان تحول آخر مُتخذين حجم التفاح ، لكنهُ التفاح الذي وإن دفعتهُ صغيراً بعفوية .. صار مُحرماً اجتذابهُ أثناء كبرك بعاطفية .
وفي حلقات التحفيظ التي تعج بها مساجد مكة ، تلك الحلقات التي حفظنا بها أكثر من نصف القرآن بطريقة إيهامنا من قبل السلفيّ والشنقيطيّ والمصريّ ، بأن ثمة شجرة في الجنة تهل عليك بكل الألعاب والهدايا حين تأتيها من الدنيا طفلاً يافعاً حافظاً للقرآن ، وتطلبها منها في الجنة .
أو في الحرم المكي حيثُ حلقات التحفيظ وعلماء دين كـ السُبيل ، كنا تحفنا عطاءات اللوز وحُبّ العزيز وأصناف أخرى من المكسرات ، ذلك تحفيز للتجويد والتلاوة ، وترغيب في حب الشيخ وتقديره بحلاوة ، دون استخدام الهراوة مثلاً في غرس الحب ورهبة الشيخ لدى الأطفال – أبو طاقية – التي كنت أختار منها النوع المدور العريض بارتفاع لامع ، فتبدو زنارة شعري متدلية أمام أذني كريش نعامةٍ ناعم ، وأذني كما لو أنها أذن أرنب صغير يرتعُ في حلقةٍ خضراء من العشب .
وفي مدرسة إبتدائية مستأجرة بالمعابدة – ريع ذاخر – كانت منطلق طفولة نحو الشباب ، كان لي فيها أصدقاء ، القحطاني ، أبو العروق ، شاه ، مياه ، هوساوي ، العتيبي ، مكي ، وكثير ، كانت الحياة منذ الطفولة خليط بشري ، نوعي ومختلف ، في مكة الحياة تبدو أساس الحوار وتلاقح أفكار مختلفة – إسلامية – تبدو تناغم عصري لمدينة تاريخية طمس فيها التاريخ بأكف قاسية ، أخذت ذرائع الحداثة لتنفيذ رغبات الوراثة ، والمهم أن صارات مكة – حديثة – وفنادقها تُناطح الغيم !..
بعد مُغادرة مكة وأصدقاء مكة ، الحارة ، الشارع ، الحلقات وأبي موسى الأشعري ، الحرم ، الشوقية ووادي فاطمة ، حيثُ من أحببتهم وشاكستهم ، وحيث " منال " التي دفعتُ نهديها الصغيرين " بعفوية " " أيْ .. صدري .. أنا أتأرجح أول " وحيثُ " إيمان " التي لولا حبي لها كصديقة ، ما كنت لأذهب كل مساء إلى المخبز لأشتري لوالدها الخبز وأحضره إلى منزله كي عندما يُفتح الباب ، أرى وجه " إيمان " صديقتي ، وأعطيها هدايا " البنوتات " أجلبها من السوبر المجاور .. لتبتسم – تقول شكراً ، فأشعر بأني صديق " لإيمان " !..
وحيثُ عدتُ بعد إكمال الثانوية عام 98 لمكة ، كان عمري 18 عاماً ، وصار هيكلي طويلاً ، وأنفي معطوفاً للأسفل كما خنجر حضرميّ ، لكنهُ لا يُغرس في القلوب قدر ما يُغرس في روائح الزهور والأصدقاء ، وإن كنت كلما اشتممت رائحة صديق ، إحمّر أنفي – وتوجهتُ للصيدلية . رحتُ بهذا الأنف أبحثُ عن أصدقاء الطفولة ، أحدهم عرفني تلقائياً فعانقني ، آخر عرفني فتجاهلني ، ثالث مازال لم أعثر عليه ، رابع وجدتهُ مُدمناً ، وخامس صار مثلياً ، ومنهم من صار شيخاً ، وعسكرياً ، وبعض توقف عن الدراسة ليلتحق بالشارع " حبرتي شلة ليلية " ، أما " منال " فقد احتجبت ، رأيتها بعبائة سوداء مُدلهمة ، فهَممتُ بأن أدفعها أمام الباب ربما تتذكر " من يتأرجح أكثر " ، لكن ذلك مغامرة محفوفة بالمخاطر ، إذ صارا نهديها بحجم تفاحتين ناضحتين محاطتين بعباءةٍ سوداء ، وقضبان سجن حي المنصور . أما " إيمان " فلم أعد سوى أرقبها من بعيد وفي يدي " هدية " تلك الهدية عبارة عن " العلبــة الحمــراء " خاتم من العقيق اليماني الفاخر في صندوق أحمر صغير ، حتى عدتُ بهِ لليمن ، بل تمنيتُ لو أن والدها يُرسلني إلى المخبز مساءً كي عندما يُفتح الباب ، أسلمها خبزاً ساخناً وعليه – هديتي – لكن لم يحدث أن طلب مني والدها ذلك ، حيث صار في الشارع لا يكلمني سوى نادراً !..
وحدها " جميلة " التي تكبرني بسنوات كانت على علاقة عاطفية بأخي الأكبر ، واجهتها برفقة فتاة لا أعرفها في زقاق الحارة مساءً ، عرفتُ جميلة فقط .. إشتممتها بأنفي ، حييتُها ، هددتني الفتاة الصغيرة بكسر رأسي بحجر ، بينما لحظة توقف مُصادف ومُفاجئ ، صفعت جميلة فتاتها الصغيرة " قليلة أدب .. هذا صديق وجار عزيز وغالي .. تسرعتي ، إعتذري " !.. ثم سألتني عن الحال والحبيب القديم – هل تزوج ؟.. أوووووووه .. في اليمن مازال أعزباً ، لكنهُ رعوياً في مزرعة الوالد ، ومُشارعاً في المحاكم !.. خخخخخخ تضحك " جميلة " ثم تقول : وأنت ؟.. أنا طالباً توي تخرجت من الثانوية – جيت عمره .. تُقاطع – ما تزوجت ؟.. أقول : لا بدري كثيراً أبو الثلاثين لم يتزوج ، كيف بأبو 18 ؟..
كادت " جميلة " تستضيفني لولا الظروف ، صار إخوتها برتب في الأمن ، ومنزلها معرضاً للبنادق ، حملتني مشاعر كثيرة – ساخنة – كانت تُشاكسني في الصغر بعضي وقرص جسدي ومزاحي بثقل – حتى الحلوى تبطشها من فمي في السوبر والشارع ، وفي البقالة التي كانت لوالدي تأتي لتأخذ ما تشاء من الأشياء دون إذني حيث تقول حق حبيبي هو حقي وقد أذن لي ، وفي لحظةٍ كهذه ، تعاملني برقيّ ، تدفعُ عن رأسي حجراً !..
آلمتني كثيراً " جميلة " تجاوزت الثلاثين بسنوات وضمُر جسدها وشحبت الملامح ومازالت لم تعش لحظة فرح ، حين سألتها عن وضعها الشخصي ترقرقت من عينيها الدموع .. قالت بنبرة حُزن تتحشرج حبال صوتها : لو كان عمي – الوالد – لم يعد للبلد ، كنتُ الآن زوجة أخيك ، لكنني مازلت " عانسة " ، وقد لا أتزوج أبداً ، من الصعب أن تتزوج مُرغماً إن لم يكن الآخر يسكن رغبتك !..
قالت " جميلة " إن زيارتي المفاجئة – هدية – وأن أشياء كثيرة لا نصنعها ، هي تحدثُ فقط !.. حملتني الكثير من سعير المشاعر للأهل كُلاً ، والحبيب خصوصاً ، دمعات رأيتها براقة ، ومشاعر حملتها أثقلتني ، فتحت الباب .. ولجت للداخل ، وبينما قفيتُ ظهري نحو منزلنا ، كانتا عيناي مازالتا للخلف تُحلقان ، بينما هي خلف الباب – تُمارسُ الوداع !..
عشتُ أعشقُ الأصدقاء ، منذُ الطفولة خصم عنيف لمن يؤذي صديقي من الجنسين ، أصدقائي نموْتُ أحبهم ، أدافعُ عن ضعيفهم وأقسو على القوي حين يستضعفُ آخر ، كثيرُ من لحظات اغتسلتُ فيها بالدم من أعلى رأسي إلى أخمص قدمي ، كانت هذه اللحظة في ساحة ملعب ، إعترض طريقنا " المشفطون " أبناء الضياع ، دفعتُ بأخي وصديقي نحو شارع آخر يؤدي إلى الحارة ، واعتركتُ مع ضائعين ثلاثة ، لم أهزم ، لكن الثالث هشم رأسي من الخلف بزجاجة حتى اغتسلتُ بالدماء – وفروا .. الدورية الأمنية كانت غير متواجدة في مكان يعج بالضائعين في وسط المدينة ، وذهبتُ إلى المنزل شخصاً أحمر رافضاً الإسعاف ، سوف تقوم " أمــي " بمهارات إسعافية في المنزل !..
قاسمتُ أصدقائي كل الظروف ، في كثير أحوال عانيتُ معهم وفرحت معهم ، كل ما ارتبطتُ نفسياً وروحياً بصديق ، إطلعتُ على بعض عوالمه الغيبية الخفية ، والأصدقاء بادلتهم الحب حتى آثرتُ كل شيئ ، ليس فخراً ولا ادعاءْ . أفضفضُ أنثرُ فقط . أكتبُ شيئاً ، مُصابٌ بـ ( البكم ) لكن قلبي يكتب !.. قدمتُ لأصدقائي صحتي ، وقتي والمال في كل مراحل العمر وفي أماكن كثيرة ، حتى عندما ينفضُ جيبي تيار الهواء الساخن ، آخذُ لصديقي من حق الأسرة بمختلف طرق !..
بي ميزةٌ إجتماعية ، أو شعبي ، وديمقراطياً بالفطرة ، أو ثقافة يسارية بالفطرة أيضاً ، شارك أصدقائك حياتهم وهناك خط أحمر – المرأة – ثمنها الكرامة بكتلتها الشاهقة والضخمة ، وتفاصيلها الخطرة !..
تتغير المفاهيم والقناعات ، ذلك أنني عشتُ مُقتعناً بأنك " تصنعُ صديقاً " العلاقة ، الحب ، العطاء ، الإحترام ، التواصل ، وأشياء أخرى ، قناعة أنك " تصنعُ صديقاً " بيدك ، يستمر معك الحياة ، كل ما منحتهُ الأشياء الجميلة – دام صديقاً !..
منذُ طفولتي مُصاب بهوس الأصدقاء من الجنسين ، أصدقائي – نبضي ، نظري ، نور دروب أمضي بها ، بنيتُ الصداقة على كثير اعتبارات ، لكن أن أبنها على اعتبار مادي - فذاك لم يحدث !..
لكن الصداقة والأصدقاء مواقف ، لحظات مُقدسة فرحاً وحُزناً ، إنتصار وهزيمة ، الهزيمة بلا تكافؤ مع دماء وجرحى وضحايا وإرباك قوة ضدٍ أكبر – قداسة – وانتصار وقد حُزت دهشتهُ واحترامه !..
حتى عندما ولجتُ عالم الإنترنت وحتى اللحظة ، لم أكن مُزيفاً أو لحظياً أو بقناع كائن فضائي ، عكساً حاولت صادقاً وشفيفاً أكثر من الواقع ، في أي مكان وفي أي لحظة زمن ، لا أريدُ أن أكون مُفترضاً أو مُموهاً – بل واضحاً ، وعلى هذا الأساس حاولتُ بناء علاقتي بأصدقاء في عالم الإنترنت ، بل حاولت بكثير من طرائق القلب العاشق في صناعة أصدقائه ، إيجادهم ، هم ضائعون فقط ، يجب البحث عنهم بشعاع الحب في الظلام ، لكن حدثت بي إنتكاسات ، صدمات ، وخيبات مؤلمة في عالم الإنترنت ، بل تشعبتُ ضحايا كثيرة لا أدعيها أو أغني عليها ليلى ، تلك المحبة ، الثقة ، الصداقة والإخاء وما يجعل من حياة شخص كل شيئ مفتوح من جهة بحرية على طرق الجنة !..
كنت ولا زلتُ لا أبالي بنفسي في مختلف الظروف ، وفي لحظة هزائمي المريرة أتظاهر بالانتصار في عيون الأصدقاء كي تظل الصورة التي يرونها بي دوماًَ منذً الطفولة ، حيث لا أظهر لهم سوى منتصراً قوياً ومشرقاً ، لكن الذي حدث أخيراً مع كل الأصدقاء ، منذ العام حيث المعركة التي يخوضها "الوطن المقدس " الأم - مع السرطان ، وجدتني فجأة ودون شعور ، أربط وطني " أمــي " بأصدقائي ، " أمــي " التي طالما جالستهم أثناء خروجي لجلب أشياء الضيافة ، تحسست قلوبهم ورفعت يدها من أجلهم في السماء ، نفثت فوق ملابسهم العطر ، طبخت لهم لحمة الحنيذ وسخّنت لهم الشاي المُتقن بالحليب ذو رائحة الهيل ، حيث لا يفضلونه سوى بيدها ، وأشياء كثيرة بين " أمـي " وأصدقائي ، حيث الذين لا تعرفهم وأحدثها عنهم ، تتمنى لو تلقاهم لتحتويهم أبناءها الإنترنتيين ، طالما قص إبنها عنهم الحكايا حتى تمنت استخدام الإنترنت !..
تغيرت القناعة بعد أكثر من عشرون عاماً تُجاه الحياة وما اقتنعتُ به " إصنع صديقاً بيدك " حيث اكتشفتُ وحقيقة لن تُبارحني ، أننا " لا نصنعُ الأصدقاء .. إنهم يأتون كالهدايا " !..
في الحياة كأني أقلدُ والدي منذُ الطفولة في صداقاته ، وكأني أحد الأنبياء يتفقدُ القرية ، وكأني كثيراً قائداً عسكرياً خانهُ الجنود ، فسقطت القلعة ، فانتحر عظيماً !..
الجرح المقدس
الثلاثاء / 15 يونيو / 2010 م
العلبـةُ الحمـراء
مُنذُ طفولتنا حين نُسّرحُ شُعورنا بشكل جانبيّ ، نُطوقُ برطة العنق رقابنا الصغيرة ، نُطوقُ معاصمنا النحيلة بساعات كاسيو يابانية ، وأعيننا تنطلقُ عصفورية نحو الواقع ، على روائح عطور ليست من ذائقتنا لكنها ماركات الآباء المفضلة على المناضد وفي خزانات الملابس ، غير أننا بدوافع التقليد ننفثُ رذاذ هذه العطور على ملابسنا الجديدة بُغية أن يشتمها الأصدقاء منا ، ولو كان مثلي مُصاباً وبالفطرة من حالة تحسسهِ من العطور ، إذ يتحول يوم فرحته بالعيد إلى – معارك أهلية – لا ينتصرُ فيها أحد !..
في الطفولة سيكون لنا أصدقاء يركضون معنا .. كمثل " وليد " الذي كان يسبقني في الركض بخفةٍ نمر صغير ، أو " منال " التي كنتُ أتعاركُ معها على السطح حول الأرجوحة ، من يتأرجحُ أولاً ؟.. غير مُدرك كثيراً لما يحدثُ من دفع لكفيّ الصغيرين ، لنهدين مازالا على صدرها يبدوان من تحت ثوب أبيض كحبتيّ خوخ في الصيف يحدثُ بهما عوامل إنضاج قهري خلاله يأخذان تحول آخر مُتخذين حجم التفاح ، لكنهُ التفاح الذي وإن دفعتهُ صغيراً بعفوية .. صار مُحرماً اجتذابهُ أثناء كبرك بعاطفية .
وفي حلقات التحفيظ التي تعج بها مساجد مكة ، تلك الحلقات التي حفظنا بها أكثر من نصف القرآن بطريقة إيهامنا من قبل السلفيّ والشنقيطيّ والمصريّ ، بأن ثمة شجرة في الجنة تهل عليك بكل الألعاب والهدايا حين تأتيها من الدنيا طفلاً يافعاً حافظاً للقرآن ، وتطلبها منها في الجنة .
أو في الحرم المكي حيثُ حلقات التحفيظ وعلماء دين كـ السُبيل ، كنا تحفنا عطاءات اللوز وحُبّ العزيز وأصناف أخرى من المكسرات ، ذلك تحفيز للتجويد والتلاوة ، وترغيب في حب الشيخ وتقديره بحلاوة ، دون استخدام الهراوة مثلاً في غرس الحب ورهبة الشيخ لدى الأطفال – أبو طاقية – التي كنت أختار منها النوع المدور العريض بارتفاع لامع ، فتبدو زنارة شعري متدلية أمام أذني كريش نعامةٍ ناعم ، وأذني كما لو أنها أذن أرنب صغير يرتعُ في حلقةٍ خضراء من العشب .
وفي مدرسة إبتدائية مستأجرة بالمعابدة – ريع ذاخر – كانت منطلق طفولة نحو الشباب ، كان لي فيها أصدقاء ، القحطاني ، أبو العروق ، شاه ، مياه ، هوساوي ، العتيبي ، مكي ، وكثير ، كانت الحياة منذ الطفولة خليط بشري ، نوعي ومختلف ، في مكة الحياة تبدو أساس الحوار وتلاقح أفكار مختلفة – إسلامية – تبدو تناغم عصري لمدينة تاريخية طمس فيها التاريخ بأكف قاسية ، أخذت ذرائع الحداثة لتنفيذ رغبات الوراثة ، والمهم أن صارات مكة – حديثة – وفنادقها تُناطح الغيم !..
بعد مُغادرة مكة وأصدقاء مكة ، الحارة ، الشارع ، الحلقات وأبي موسى الأشعري ، الحرم ، الشوقية ووادي فاطمة ، حيثُ من أحببتهم وشاكستهم ، وحيث " منال " التي دفعتُ نهديها الصغيرين " بعفوية " " أيْ .. صدري .. أنا أتأرجح أول " وحيثُ " إيمان " التي لولا حبي لها كصديقة ، ما كنت لأذهب كل مساء إلى المخبز لأشتري لوالدها الخبز وأحضره إلى منزله كي عندما يُفتح الباب ، أرى وجه " إيمان " صديقتي ، وأعطيها هدايا " البنوتات " أجلبها من السوبر المجاور .. لتبتسم – تقول شكراً ، فأشعر بأني صديق " لإيمان " !..
وحيثُ عدتُ بعد إكمال الثانوية عام 98 لمكة ، كان عمري 18 عاماً ، وصار هيكلي طويلاً ، وأنفي معطوفاً للأسفل كما خنجر حضرميّ ، لكنهُ لا يُغرس في القلوب قدر ما يُغرس في روائح الزهور والأصدقاء ، وإن كنت كلما اشتممت رائحة صديق ، إحمّر أنفي – وتوجهتُ للصيدلية . رحتُ بهذا الأنف أبحثُ عن أصدقاء الطفولة ، أحدهم عرفني تلقائياً فعانقني ، آخر عرفني فتجاهلني ، ثالث مازال لم أعثر عليه ، رابع وجدتهُ مُدمناً ، وخامس صار مثلياً ، ومنهم من صار شيخاً ، وعسكرياً ، وبعض توقف عن الدراسة ليلتحق بالشارع " حبرتي شلة ليلية " ، أما " منال " فقد احتجبت ، رأيتها بعبائة سوداء مُدلهمة ، فهَممتُ بأن أدفعها أمام الباب ربما تتذكر " من يتأرجح أكثر " ، لكن ذلك مغامرة محفوفة بالمخاطر ، إذ صارا نهديها بحجم تفاحتين ناضحتين محاطتين بعباءةٍ سوداء ، وقضبان سجن حي المنصور . أما " إيمان " فلم أعد سوى أرقبها من بعيد وفي يدي " هدية " تلك الهدية عبارة عن " العلبــة الحمــراء " خاتم من العقيق اليماني الفاخر في صندوق أحمر صغير ، حتى عدتُ بهِ لليمن ، بل تمنيتُ لو أن والدها يُرسلني إلى المخبز مساءً كي عندما يُفتح الباب ، أسلمها خبزاً ساخناً وعليه – هديتي – لكن لم يحدث أن طلب مني والدها ذلك ، حيث صار في الشارع لا يكلمني سوى نادراً !..
وحدها " جميلة " التي تكبرني بسنوات كانت على علاقة عاطفية بأخي الأكبر ، واجهتها برفقة فتاة لا أعرفها في زقاق الحارة مساءً ، عرفتُ جميلة فقط .. إشتممتها بأنفي ، حييتُها ، هددتني الفتاة الصغيرة بكسر رأسي بحجر ، بينما لحظة توقف مُصادف ومُفاجئ ، صفعت جميلة فتاتها الصغيرة " قليلة أدب .. هذا صديق وجار عزيز وغالي .. تسرعتي ، إعتذري " !.. ثم سألتني عن الحال والحبيب القديم – هل تزوج ؟.. أوووووووه .. في اليمن مازال أعزباً ، لكنهُ رعوياً في مزرعة الوالد ، ومُشارعاً في المحاكم !.. خخخخخخ تضحك " جميلة " ثم تقول : وأنت ؟.. أنا طالباً توي تخرجت من الثانوية – جيت عمره .. تُقاطع – ما تزوجت ؟.. أقول : لا بدري كثيراً أبو الثلاثين لم يتزوج ، كيف بأبو 18 ؟..
كادت " جميلة " تستضيفني لولا الظروف ، صار إخوتها برتب في الأمن ، ومنزلها معرضاً للبنادق ، حملتني مشاعر كثيرة – ساخنة – كانت تُشاكسني في الصغر بعضي وقرص جسدي ومزاحي بثقل – حتى الحلوى تبطشها من فمي في السوبر والشارع ، وفي البقالة التي كانت لوالدي تأتي لتأخذ ما تشاء من الأشياء دون إذني حيث تقول حق حبيبي هو حقي وقد أذن لي ، وفي لحظةٍ كهذه ، تعاملني برقيّ ، تدفعُ عن رأسي حجراً !..
آلمتني كثيراً " جميلة " تجاوزت الثلاثين بسنوات وضمُر جسدها وشحبت الملامح ومازالت لم تعش لحظة فرح ، حين سألتها عن وضعها الشخصي ترقرقت من عينيها الدموع .. قالت بنبرة حُزن تتحشرج حبال صوتها : لو كان عمي – الوالد – لم يعد للبلد ، كنتُ الآن زوجة أخيك ، لكنني مازلت " عانسة " ، وقد لا أتزوج أبداً ، من الصعب أن تتزوج مُرغماً إن لم يكن الآخر يسكن رغبتك !..
قالت " جميلة " إن زيارتي المفاجئة – هدية – وأن أشياء كثيرة لا نصنعها ، هي تحدثُ فقط !.. حملتني الكثير من سعير المشاعر للأهل كُلاً ، والحبيب خصوصاً ، دمعات رأيتها براقة ، ومشاعر حملتها أثقلتني ، فتحت الباب .. ولجت للداخل ، وبينما قفيتُ ظهري نحو منزلنا ، كانتا عيناي مازالتا للخلف تُحلقان ، بينما هي خلف الباب – تُمارسُ الوداع !..
عشتُ أعشقُ الأصدقاء ، منذُ الطفولة خصم عنيف لمن يؤذي صديقي من الجنسين ، أصدقائي نموْتُ أحبهم ، أدافعُ عن ضعيفهم وأقسو على القوي حين يستضعفُ آخر ، كثيرُ من لحظات اغتسلتُ فيها بالدم من أعلى رأسي إلى أخمص قدمي ، كانت هذه اللحظة في ساحة ملعب ، إعترض طريقنا " المشفطون " أبناء الضياع ، دفعتُ بأخي وصديقي نحو شارع آخر يؤدي إلى الحارة ، واعتركتُ مع ضائعين ثلاثة ، لم أهزم ، لكن الثالث هشم رأسي من الخلف بزجاجة حتى اغتسلتُ بالدماء – وفروا .. الدورية الأمنية كانت غير متواجدة في مكان يعج بالضائعين في وسط المدينة ، وذهبتُ إلى المنزل شخصاً أحمر رافضاً الإسعاف ، سوف تقوم " أمــي " بمهارات إسعافية في المنزل !..
قاسمتُ أصدقائي كل الظروف ، في كثير أحوال عانيتُ معهم وفرحت معهم ، كل ما ارتبطتُ نفسياً وروحياً بصديق ، إطلعتُ على بعض عوالمه الغيبية الخفية ، والأصدقاء بادلتهم الحب حتى آثرتُ كل شيئ ، ليس فخراً ولا ادعاءْ . أفضفضُ أنثرُ فقط . أكتبُ شيئاً ، مُصابٌ بـ ( البكم ) لكن قلبي يكتب !.. قدمتُ لأصدقائي صحتي ، وقتي والمال في كل مراحل العمر وفي أماكن كثيرة ، حتى عندما ينفضُ جيبي تيار الهواء الساخن ، آخذُ لصديقي من حق الأسرة بمختلف طرق !..
بي ميزةٌ إجتماعية ، أو شعبي ، وديمقراطياً بالفطرة ، أو ثقافة يسارية بالفطرة أيضاً ، شارك أصدقائك حياتهم وهناك خط أحمر – المرأة – ثمنها الكرامة بكتلتها الشاهقة والضخمة ، وتفاصيلها الخطرة !..
تتغير المفاهيم والقناعات ، ذلك أنني عشتُ مُقتعناً بأنك " تصنعُ صديقاً " العلاقة ، الحب ، العطاء ، الإحترام ، التواصل ، وأشياء أخرى ، قناعة أنك " تصنعُ صديقاً " بيدك ، يستمر معك الحياة ، كل ما منحتهُ الأشياء الجميلة – دام صديقاً !..
منذُ طفولتي مُصاب بهوس الأصدقاء من الجنسين ، أصدقائي – نبضي ، نظري ، نور دروب أمضي بها ، بنيتُ الصداقة على كثير اعتبارات ، لكن أن أبنها على اعتبار مادي - فذاك لم يحدث !..
لكن الصداقة والأصدقاء مواقف ، لحظات مُقدسة فرحاً وحُزناً ، إنتصار وهزيمة ، الهزيمة بلا تكافؤ مع دماء وجرحى وضحايا وإرباك قوة ضدٍ أكبر – قداسة – وانتصار وقد حُزت دهشتهُ واحترامه !..
حتى عندما ولجتُ عالم الإنترنت وحتى اللحظة ، لم أكن مُزيفاً أو لحظياً أو بقناع كائن فضائي ، عكساً حاولت صادقاً وشفيفاً أكثر من الواقع ، في أي مكان وفي أي لحظة زمن ، لا أريدُ أن أكون مُفترضاً أو مُموهاً – بل واضحاً ، وعلى هذا الأساس حاولتُ بناء علاقتي بأصدقاء في عالم الإنترنت ، بل حاولت بكثير من طرائق القلب العاشق في صناعة أصدقائه ، إيجادهم ، هم ضائعون فقط ، يجب البحث عنهم بشعاع الحب في الظلام ، لكن حدثت بي إنتكاسات ، صدمات ، وخيبات مؤلمة في عالم الإنترنت ، بل تشعبتُ ضحايا كثيرة لا أدعيها أو أغني عليها ليلى ، تلك المحبة ، الثقة ، الصداقة والإخاء وما يجعل من حياة شخص كل شيئ مفتوح من جهة بحرية على طرق الجنة !..
كنت ولا زلتُ لا أبالي بنفسي في مختلف الظروف ، وفي لحظة هزائمي المريرة أتظاهر بالانتصار في عيون الأصدقاء كي تظل الصورة التي يرونها بي دوماًَ منذً الطفولة ، حيث لا أظهر لهم سوى منتصراً قوياً ومشرقاً ، لكن الذي حدث أخيراً مع كل الأصدقاء ، منذ العام حيث المعركة التي يخوضها "الوطن المقدس " الأم - مع السرطان ، وجدتني فجأة ودون شعور ، أربط وطني " أمــي " بأصدقائي ، " أمــي " التي طالما جالستهم أثناء خروجي لجلب أشياء الضيافة ، تحسست قلوبهم ورفعت يدها من أجلهم في السماء ، نفثت فوق ملابسهم العطر ، طبخت لهم لحمة الحنيذ وسخّنت لهم الشاي المُتقن بالحليب ذو رائحة الهيل ، حيث لا يفضلونه سوى بيدها ، وأشياء كثيرة بين " أمـي " وأصدقائي ، حيث الذين لا تعرفهم وأحدثها عنهم ، تتمنى لو تلقاهم لتحتويهم أبناءها الإنترنتيين ، طالما قص إبنها عنهم الحكايا حتى تمنت استخدام الإنترنت !..
تغيرت القناعة بعد أكثر من عشرون عاماً تُجاه الحياة وما اقتنعتُ به " إصنع صديقاً بيدك " حيث اكتشفتُ وحقيقة لن تُبارحني ، أننا " لا نصنعُ الأصدقاء .. إنهم يأتون كالهدايا " !..
في الحياة كأني أقلدُ والدي منذُ الطفولة في صداقاته ، وكأني أحد الأنبياء يتفقدُ القرية ، وكأني كثيراً قائداً عسكرياً خانهُ الجنود ، فسقطت القلعة ، فانتحر عظيماً !..
الجرح المقدس
الثلاثاء / 15 يونيو / 2010 م