إستفاقة نفس على روحها , ويترجم درويش نفسه شعراً ويفهمها .... :
قافية من أجل المعلقات :
ما دلني أحد علي. أنا الدليل, أنا الدليل إلى بين البحر والصحراء. من لغتي ولدت على طريق الهند بين قبيلتين صغيرتين عليهما قمر الديانات القديمة, والسلام المستحيل وعليهما أن تحفظا فلك الجوار الفارسي وهاجس الروم الكبير, ليهبط الزمن الثقيل عن خيمة العربي أكثر. من أنا؟ هذا سؤال الآخرين ولا جواب له. أنا لغتي أنا, وأنا معلقة... معلقتان... عشر, هذه لغتي أنا لغتي. أنا ما قالت الكلمات: كن جسدي, فكنت لنبرها جسداً. أنا ما قلت للكلمات: كوني ملتقي جسدي مع الأبدية الصحراء. كوني كي أكون كما أقول! لا أرض فوق الأرض تحملني, فيحملني كلامي طائراً متفرعاً مني, ويبني عش رحلته أمامي في حطامي, في حطام العالم السحري من حولي, على ريح وقفت. وطال بي ليلي الطويل ... هذه لغتي قلائد من نجوم حول أعناق الأحبة: هاجروا أخذوا المكان وهاجروا أخذوا الزمان وهاجروا أخذوا روائحهم عن الفخار والكلأ الشحيح, وهاجروا أخذوا الكلام وهاجر القلب القتيل معهم. أيتسع الصدى, هذا الصدى, هذا السراب الأبيض الصوتي لاسم تملأ المجهول بحته, ويملأه الرحيل ألوهة؟ تضع السماء علي نافذة فأنظر: لا أرى أحداً سواي... وجدت نفسي عند خارجها كما كانت معي, ورؤاي لا تنأى عن الصحراء, من ريحٍ ومن رمل خطاي وعالمي جسدي وما ملكت يداي أنا المسافر والسبيل يطل آلهة على ويذهبون, ولا نطيل حديثنا عما سيأتي. لا غد في هذه الصحراء إلا ما رأينا أمس، فلأرفع معلقتي لينكسر الزمان الدائري ويولد الوقت الجميل! ما أكثر الماضي يجيء غداً تركت لنفسها نفسي التي امتلأت بحاضرها وأفرغني الرحيل من المعابد. للسماء شعوبها وحروبها أما أنا، فلي الغزالة زوجة, ولي النخيل معلقات في كتاب الرمل. ماضٍ ما أرى للمرء مملكة الغبار وتاجه. فلتنتصر لغتي على الدهر العدو، على شلالاتي، على, على أبي, وعلى زوال لا يزول هذه لغتي ومعجزتي. عصا سحري. حدائق بابلي ومسلتي, وهويتي الأولى, ومعدني الصقيل ومقدس العربي في الصحراء, يعبد ما يسيل من القوافي كالنجوم على عباءته, ويعبد ما يقول لا بد من نصر إذا, لا بد من نصرٍ لينتصر الرسول...
ومثلما سار المسيحُ على البحيرة … سرتُ في رؤيايَ . لكنِّي نزلتُ عن الصليب لأنني أَخشى العُلُوَّ ولا أُبشِّرُ بالقيامة . لم أُغيِّر غيرَ إيقاعي لأَسمع صوتَ قلبي واضحاً … للملحميِّين النُسُورُ ولي أَنا طَوْقُ الحمامة ، نَجْمَةٌ مهجورةٌ فوق السطوح ، وشارعٌ يُفضي إلى الميناء … / هذا البحرُ لي هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي هذا الرصيفُ وما عَلَيْهِ من خُطَايَ وسائلي المنويِّ … لي ومحطَّةُ الباصِ القديمةُ لي . ولي شَبَحي وصاحبُهُ . وآنيةُ النحاس وآيةُ الكرسيّ ، والمفتاحُ لي والبابُ والحُرَّاسُ والأجراسُ لي لِيَ حَذْوَةُ الفَرَسِ التي طارت عن الأسوار … لي ما كان لي . وقصاصَةُ الوَرَقِ التي انتُزِعَتْ من الإنجيل لي والملْحُ من أَثر الدموع على جدار البيت لي … واسمي ، إن أخطأتُ لَفْظَ اسمي بخمسة أَحْرُفٍ أُفُقيّةِ التكوين لي : ميمُ / المُتَيَّمُ والمُيتَّمُ والمتمِّمُ ما مضى حاءُ / الحديقةُ والحبيبةُ ، حيرتانِ وحسرتان ميمُ / المُغَامِرُ والمُعَدُّ المُسْتَعدُّ لموته الموعود منفيّاً ، مريضَ المُشْتَهَى واو / الوداعُ ، الوردةُ الوسطى ، ولاءٌ للولادة أَينما وُجدَتْ ، وَوَعْدُ الوالدين دال / الدليلُ ، الدربُ ، دمعةُ دارةٍ دَرَسَتْ ، ودوريّ يُدَلِّلُني ويُدْميني / وهذا الاسمُ لي … ولأصدقائي ، أينما كانوا ، ولي جَسَدي المُؤَقَّتُ ، حاضراً أم غائباً … مِتْرانِ من هذا التراب سيكفيان الآن … لي مِتْرٌ و75 سنتمتراً … والباقي لِزَهْرٍ فَوْضَويّ اللونِ ، يشربني على مَهَلٍ ، ولي ما كان لي : أَمسي ، وما سيكون لي غَدِيَ البعيدُ ، وعودة الروح الشريد كأنَّ شيئا ً لم يَكُنْ وكأنَّ شيئاً لم يكن جرحٌ طفيف في ذراع الحاضر العَبَثيِّ … والتاريخُ يسخر من ضحاياهُ ومن أَبطالِهِ … يُلْقي عليهمْ نظرةً ويمرُّ … هذا البحرُ لي هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي واسمي - وإن أخطأتُ لفظ اسمي على التابوت - لي . أَما أَنا - وقد امتلأتُ بكُلِّ أَسباب الرحيل - فلستُ لي . أَنا لَستُ لي أَنا لَستُ لي …